دانلود جدید ترین فیلمها و سریالهای روز دنیا در سایت 98Movies. اگر در جستجوی یک سایت عالی برای دانلود فیلم هستید به این آدرس مراجعه کنید. این سایت همچنین آرشیو کاملی از فیلمهای دوبله به فارسی دارد. بنابراین برای دانلود فیلم دوبله فارسی بدون سانسور نیز می توانید به این سایت مراجعه کنید. در این سایت امکان پخش آنلاین فیلم و سریال همراه با زیرنویس و فیلمهای دوبله شده به صورت دوزبانه فراهم شده است. بنابراین برای اولین بار در ایران شما می توانید فیلمهای دوبله شده را در تلویزیونهای هوشمند خود به صورت دوزبانه و آنلاین مشاهده نمایید.
التاريخ : 2026-02-03

أول امبراطورية أردنية في التاريخ

ح302) المملكة الاردنية الأدومية
(2) (12000ق. م. –450 ق.م 
أول امبراطورية أردنية في التاريخ 
وعاصمتها بصيرا / الطفيلة الأدومية 
تأليف المؤرخ المفكر المعارض السياسي الأردني
د احمد عويدي العبادي (أبو د. البشر والطبيب د نمي)
(ح302) الحميمة الأردنية (الحوراء): 
الجذر اللغوي، والذاكرة الحضارية، ومركز الدعوة العباسية//
ان الاسم الأقدم للحميمة هو «الحوراء» يرتكز على فكرة مهمّة في قراءة تاريخ المكان: أن الأسماء ليست لافتاتٍ محايدة، بل هي "ذاكرة سيادة” تعكس من يملك المعنى، ومن يقود الوظيفة (الروحية/التجارية/السياسية) في كل عصر. ومن هنا يصبح الحديث عن "الحوراء” ليس مجرد اشتقاق لغوي، بل محاولة لإعادة وصل الموقع بسياقٍ حضاريّ أقدم من طبقاته النبطية والرومانية والإسلامية.
لكن، إذا وضعنا الرواية في ميزان التاريخ الأثري الموثّق، سنجد أن الدراسات الحديثة التي تتناول الموقع تشير إلى أن الاسم الذي يثبت في المصادر الكلاسيكية/الأثرية للموقع هو Hawara / Auara، وأن "الحميمة” هو الاسم الإسلامي اللاحق، مع كون الموقع محطة مهمة في الصحراء الجنوبية ضمن تعاقب نبطي–روماني–بيزنطي–إسلامي، وقد استُخدم لاحقًا مقرًا لفرع الأسرة العباسية قبل قيام الدولة العباسية
حين نعود إلى الاسم الأقدم لهذا الموضع، فإننا لا نتعامل مع تسميةٍ جغرافيةٍ عابرة، بل مع طبقةٍ اسميةٍ رمزيةٍ تأسيسية، تختزن ذاكرة المكان قبل أن تمسّه يدُ التدوين الإداري أو التثبيت السياسي. فـ«الحوراء» في هذا السياق ليست مجرد لفظٍ جميل، بل اسم أميري مؤسِّس، ارتبط بشخصية الأميرة حوراء التي تُنسب إليها خصائص التوحيد والتقوى والمعرفة،
ولا سيما معرفتها بالفلك وممارستها للوظيفة الروحية في فضاءٍ صحراويٍّ كان للروح فيه سلطانٌ يسبق السلطان المادي. ومن هذا المعنى الروحي العميق بدأ المكان يأخذ وظيفته الأولى: مقامًا للتعبّد، وموضعًا تُقصده الركبان لا طلبًا للماء والكلأ فحسب، بل طلبًا للمعنى والطمأنينة والشفاء والإرشاد.
ومع الزمن، وكما هي سنّة المراكز الصحراوية الكبرى، تحوّل المقام الروحي إلى نواة تجمّع، ثم إلى ملتقى طرق، لأن القوافل لا تسير دائمًا خلف الحاجة المادية وحدها، بل خلف الثقة والرمزية والمكانة. وحيث يطمئن القلب، يستقر الإنسان، وحيث يستقر الإنسان، تتكاثف المصالح، فتأتي التجارة على سكة الروح قبل أن تُرسم على خرائط السوق.
بهذه القراءة يصبح الاسم «الحوراء» أولًا اسمًا شخصيًا مؤسِّسًا، ثم يتحوّل إلى هويةٍ جمعية تُعرف بها الجماعة المحيطة بالمكان، فيُقال الحوريون والحورية، ثم يغدو سِمةً حضارية تُسقَط على المكان والمملكة معًا، لا بوصفه مجرد موضع، بل بوصفه مركز وظيفة وتأثير.
إن هذا التحوّل من مقام عبادة إلى نواة تجمّع، ثم إلى مركز ضبطٍ للطريق وتأمينه، ليس استثناءً في تاريخ الصحراء، بل هو نمطٌ متكرر: قداسةٌ تُنشئ خدمة، وخدمةٌ تستجلب سوقًا، وسوقٌ تفرض حماية، وحمايةٌ تُنتج عمرانًا. وبهذا المعنى فإن «الحوراء» تقع في قلب تفسير اجتماعي–حضاري واسع لكيفية نشوء المراكز الكبرى في الأردن القديم، بعيدًا عن الاختزال الذي يحصر نشأة المدن في القرار السياسي وحده.
وعندما ننتقل إلى طبقات الاسم كما تظهر في الدراسات الأثرية والتاريخية المتداولة، نجد أن الموقع عُرف في التدوين الكلاسيكي باسم Hawara أو Auara، وهو الاسم الذي ثبّتته مرحلة من مراحل الإدارة والتوثيق في العصور النبطية والرومانية والبيزنطية، حيث تبلورت البلدة بوصفها مستوطنة واضحة المعالم، واستمر عمرانها ووظيفتها عبر قرون متعاقبة. ثم في المرحلة الإسلامية المبكرة استقر اسم «الحميمة»، وبرز الموقع بوصفه مقرًا مهمًا في سيرة العباسيين، وفيه القصر والمسجد، قبل انطلاق الدولة العباسية إلى طورها الإمبراطوري.
ولا تناقض بين هذه الطبقات الاسمية إذا ما قُرئت قراءةً متأنية؛ فليس كل اسمٍ مدوَّن هو بالضرورة الاسم الأول، بل هو الاسم الذي ثبّتته سلطةٌ ما في لحظةٍ ما من التاريخ. أما «الحوراء» فتظل الاسم الأقدم في الذاكرة السردية الأردنية، طبقةً سابقة على التدوين الأثري الواضح، لكنها حاضرة في منطق نشأة المكان ووظيفته، وفي تسلسل المعنى قبل تسلسل الحجر.
أما ما يرد في النصوص الدينية من ذكر الحوريين أو الحوريّين في جبل سعير، فقد حاول بعض الباحثين ربطه بالحوريين المعروفين في الأدبيات الأكاديمية، بينما تظل هذه المسألة غير محسومة تمامًا، ولا سيما في أطراف الجنوب، حيث تختلط الأسماء والهويات عبر العصور.
ومن هنا فإن الحديث عن «استمرار المملكة الحورية» ينبغي أن يُفهم بوصفه امتدادًا لهويةٍ وتسمياتٍ ووظائف حضارية عبر تحوّلات طويلة، لا بوصفه دولةً مركزيةً متصلة بالمعنى السياسي الصارم لثمانية آلاف سنة، وهو تمييز منهجي ضروري بين الاستمرارية الحضارية والاستمرارية المؤسسية.
وبذلك يغدو موقع الحوراء/الحميمة شاهدًا حيًا على حقيقةٍ أعمق: أن الأردن لا يملك آثارًا صامتة فحسب، بل يملك سلسلة أسماء، وكل اسمٍ فيها شهادة على عصرٍ من عصور السيادة والوظيفة، من الروح إلى التجارة، ومن المعنى إلى العمران، ومن الاسم الأول إلى الاسم الذي استقر في كتب التاريخ.
تمثّل الحميمة إحدى أكثر الحواضر الأردنية كثافةً في الدلالة التاريخية والرمزية، إذ تجتمع فيها اللغة، والطبيعة، والاقتصاد، والروح، والسياسة، والتاريخ والدين، في نسيجٍ حضاريٍّ واحدٍ متصل. ويكشف تتبّع اسمها القديم «الحَوراء» (ويُقال: الحَوارة، وحوّارة) عن عمقٍ لغويٍّ ودلاليٍّ راسخ؛ فالحَوراء صفةٌ مشبّهة تدلّ على الثبوت، مشتقّة من الفعل حَوِرَ،
وتُطلق في العربية على شدة بياض العين مع سوادها، ثم توسّعت دلالتها لتشير إلى البياض والنقاء والنعومة والرقة، حتى غدت وصفًا جماليًا عامًا، لا مقصورًا على العيون. ومن هذا المعنى الجمالي والوصفي، حمل الاسم إيحاءً بالصفاء والبهاء، وهو إيحاءٌ لم يكن لغويًا محضًا، بل تجسّد في طبيعة المكان ذاته.
وتحمل الذاكرة العربية استعمالاتٍ أخرى للاسم؛ فقد لُقِّبت زينب بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما بـ«الحوراء» لِما عُرف عنها من رقةٍ وجلالٍ ونقاء، وهو ما يعزّز البعد الرمزي للاسم بوصفه قيمةً أخلاقية وجمالية في آنٍ واحد. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يُطلق هذا الاسم على بلدةٍ أردنيةٍ عريقة، سبقت المملكة الأردنية الأدومية، وكانت مركز قيام المملكة الأردنية الحورية، حيث كانت الحوراء مركزًا مقدّسًا ومقامًا آمنًا للخلوة والإنتاج والتجارة معًا. وكانت عاصمة الانطلاق الأولى للمملكة الأردنية الحورية 
فالحوراء/الحميمة، بحكم موقعها وخصوبة أرضها، شكّلت محطةً رئيسةً على طرق القوافل التجارية الكبرى. أحاطت بها أراضٍ وافرة الإنتاج من الحبوب والفواكه والأعناب والنخيل، مدعومةً بتربةٍ خصبة، وينابيع، وجودة مطر، ومراعٍ واسعة رفدت الثروة الحيوانية. وقد جعل هذا التنوّع الاقتصادي منها حاضرةً نشطة، ومركزًا مستقرًا للبشر منذ أزمنة سحيقة، وموضعَ استقطابٍ حضاريٍّ لا ينقطع.
ومن الناحية الجيومورفولوجية، تميّزت الحوراء بلون تربتها وصخورها المائلة إلى الحمرة الداكنة، وهو لونٌ يتقاطع رمزيًا مع اشتقاق الاسم ومع جماليات الوصف العربي. وقد أحاطت بها جبالٌ ذات أسماء دالّة، كـ «أم أساور» التي تطوّق المكان كما يطوّق السوارُ المعصمَ، و«أم شدّاد» بوعورتها ومنعتها، وجبال «هبيرة» و«الطوال» التي تشكّلت من تحجّر الرمال الوردية في مشهدٍ طبيعيٍّ أخّاذ، تتعانق فيه الأرض والسماء، وتلامس الغيوم القمم في أيام السحاب، فتغدو الطبيعة نفسها جزءًا من سردية المكان الروحية.
وعلى الرغم من تعاقب القرون، تكاد الحميمة تبدو، إلى يومنا هذا، محافظةً على روحها الأولى؛ دروبٌ ترابية ضيقة، تفاصيل حجرية متروكة للريح والتعرية، وملامح عمرانٍ قديمٍ لم تُفسده الحداثة، وإن أصابه إهمالٌ رسميٌّ واضح. هذا الثبات النسبي منح المكان قدرةً فريدة على حفظ ذاكرته، وكأنه متحفٌ مفتوح للزمن.
وقد ظلّ اسم الحوراء/حوّارة ملازمًا للمكان ووظيفته الأمنية والروحية والاقتصادية، إلى أن أقطعها الأمويون لبني العباس، فدخلت بذلك طورًا جديدًا من تاريخها. ففي هذه البلدة نشأت الدعوة العباسية في طورها السرّي، ومنها انطلقت الشرارة التي غيّرت وجه العالم الإسلامي. وفيها وُلد السفّاح والمنصور والمهدي، أوائل خلفاء بني العباس، لتغدو الحميمة رحم الدولة العباسية ومهدها السياسي الأول.
ويؤكّد هذا الدور موقعها الجغرافي الدقيق؛ إذ تقع على السفح الجنوبي لجبل الحميمة بارتفاع يقارب 1237 مترًا عن سطح البحر، وتبعد نحو 80 كم شمال شرق العقبة، وقرابة 50 كم جنوب شرق البتراء، في موضعٍ يجمع بين العزلة النسبية والاتصال بطُرق القوافل، وهو ما وفّر للدعوة العباسية شروط السرّية والأمان معًا.
ولا تقلّ قيمة الحميمة في كونها وعاءً حضاريًا احتضن سبع حضارات متعاقبة: الحوريون، فالأدوميون، فالأنباط، ثم الحقبتان الرومانية والبيزنطية، وصولًا إلى الحضارة الإسلامية بأطوارها الأموية والعباسية. وعندما حلّ بها العرب بعد الفتوحات الإسلامية، لم يغادروها، بل أعادوا توظيفها ضمن سياقٍ حضاريٍّ جديدٍ حافظ على عمقها القديم.
وتشير مصادر تاريخية عربية معتبرة، كأخبار البلاذري والبكري الأندلسي، إلى الحميمة بوصفها مقرّ إقامة الأسرة العباسية. وتدعم ذلك اللقى الأثرية المكتشفة، على قلّتها، والتي كشفت عن بقايا القصر العباسي المشيّد في العصر الأموي، والحمّامات القديمة، والأسواق، وقاعات الاجتماع، وأرضيات الفسيفساء، والمسجد القائم في منطقة القيعان. وقد اختار العباسيون الحميمة بعد انتقالهم إليها من أذرح، لكونها ملتقى طرق تجارية، ومكانًا آمنًا بعيدًا عن العيون، ملائمًا للدعوة السرّية، وهو ما أسهم في نجاح الثورة العباسية وتقويض الدولة الأموية.
وازدادت مكانة الحميمة رسوخًا عندما سكنها علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم، جدّ العباسيين، بعد أن أقطعها له الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك سنة 95هـ/713م. فاتخذها مقرًا دائمًا، وبنى فيها قصرًا ومسجدًا وأسواقًا ودارًا للضيافة. وتوفي فيها سنة 125هـ/743م، ودُفن في أرضها، وإن كان قبره غير معروف اليوم، بينما ما تزال آثار المسجد العباسي قائمة شاهدةً على ذلك الدور المفصلي.
بهذا المعنى، لا تُختزل الحميمة في كونها موقعًا أثريًا، بل تُقرأ بوصفها عقدةً حضاريةً جامعة: لغةً وجمالًا، اقتصادًا وروحًا، طبيعةً وسياسةً، وذاكرةً أردنيةً أصيلةً أسهمت في صناعة واحدةٍ من أعظم التحوّلات في التاريخ الإسلامي.
ومنذ قيام الإدارة الانتدابية في الأردن في مطلع القرن العشرين، ظلّ موقع الحميمة/الحوراء/حوّارة – مهد الدولة العباسية وذاكرة أحد أعظم التحوّلات السياسية في التاريخ الإسلامي – على حالٍ من الإهمال الرسمي المزمن، وكأن هذا المكان الجليل قد أُخرج عمدًا من معادلة الذاكرة الوطنية والتنمية الثقافية.
فعلى الرغم من المطالبات المتكررة لأبناء المنطقة، وهم من قبيلة الحويطات الأردنية العريقة، احفاد الانباط بضرورة العناية بالموقع وتوظيفه سياحيًا وثقافيًا بما يخلق فرص عمل واستثمار، بقيت الحميمة مهجورةً، موحشةً، أطلالًا وحطامًا، تبكي مجدها الغابر بصمتٍ ثقيل.
ومع ذلك، فإن تاريخ الحميمة لا يُقاس بما آلت إليه حالها اليوم، بل بما احتضنته من رجال دولة وسياسة وعلم وقيادة عبر تاريخها الذي يعود الى 14000 سنة خلت. فقد عاش فيها عدد كبير من الخلفاء والعلماء والقادة العباسيين، وُلد بعضهم على أرضها، وتشكّلت عقولهم في فضائها. وينقل ابن سعد البغدادي (توفي 230هـ/845م) في كتابه الطبقات شهادةً ذات دلالة عميقة،
إذ يروي عن بعض الأشياخ قولهم: «لقد أفضت الخلافة إليهم، وما في الأرض أحد أكثر قراءةً للقرآن، ولا أفضل عبادةً ونسكًا منهم بالحميمة». وهي شهادة لا تُظهر فقط الطابع السياسي للمكان، بل تكشف عن بُعده الأخلاقي والروحي، بوصفه حاضنةً للتقوى والزهد والانضباط الديني.
ومن هؤلاء الذين أقاموا في الحميمة: التابعي الجليل علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، وأبناؤه: محمد، وداود، وسليمان، وعبد الله، وعبد الصمد، وفاطمة. كما أقام فيها أبناء محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ومنهم: موسى، وإبراهيم، والسفاح، إضافة إلى عبد الله بن محمد بن علي، وأبي جعفر المنصور، وعيسى بن موسى بن محمد بن علي، وزينب بنت الأمير سليمان، ومحمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس، وسليمان بن مجالد بن أبي المجالد. ويعكس هذا التعداد كثافة الحضور العباسي في الحميمة، بوصفها مقرًّا عائليًا وسياسيًا وفكريًا متكاملًا.
وقد كشفت أعمال التنقيب والمسح الأثري – على محدوديتها وندرتها – عن ثراءٍ عمرانيٍّ استثنائي في الموقع. إذ عُثر على منشآت تعود إلى العصور الحورية والأدومية والنبطية، وأخرى من فترات الاحتلالين الروماني والبيزنطي، إضافة إلى منشآت أموية. 
ومن أبرز هذه المعالم وحدات سكنية متعددة، وحصنٌ ضخم حوري–أدومي–نبطي تبلغ أبعاده نحو 206 × 146 مترًا، استُخدم لاحقًا من قبل الرومان، كما أعاد البيزنطيون توظيف حمّام أثري قديم في الموقع، في دلالة على استمرارية الاستيطان وأهمية المكان الاستراتيجية.
وحيث كانت الحميمة حاضرةً عامرة في الأزمنة الحورية والأدومية والنبطية، فقد أدّت دور المركز الديني والتجاري الرئيس للمنطقة المحيطة بها. وكانت سوقًا لتبادل السلع والبضائع، بل والعبيد، في سياق التجارة العابرة للمنطقة. ونتيجة لتنوّع التجار وتعدّد أصولهم، أُقيمت معابد عديدة لآلهة مختلفة، بلغ عددها خمسة معابد، وهو عدد يعكس كثافة سكانية ملحوظة واستقرارًا طويل الأمد. ومع حلول العصر البيزنطي، أُقيمت الكنائس فوق هذه المعابد، في تعبيرٍ واضح عن تحوّل ديني فوق بنية عمرانية قائمة، لا عن قطيعة حضارية.
كما ضمّت الحميمة قصرًا كان مقرًّا لحاكم المقاطعة في عصور الأدوميين والأنباط، ثم أُعيد ترميمه وتشييده في العصر الأموي. وبجوار هذا القصر أُقيم مسجد إسلامي، في دلالة على انتقال المكان إلى دوره الإسلامي الجديد دون إلغاء لماضيه العمراني.
وإلى جانب ذلك، أُنشئت بركتان لتجميع المياه العذبة القادمة من جبل النقب الأردني شرقي الحميمة، عبر قنوات مائية أُسست في العصر الأدومي، ثم عُزّزت وصُينت في العصر النبطي. وكانت هذه المياه تُنقل إلى التجمعات السكنية لتُفرغ في أكثر من خمسين خزانًا محفورًا في الصخر الرملي الوردي، إضافةً إلى مجموعة من السدود التي شكّلت نظامًا متقدمًا للحصاد المائي.
وتشير الدراسات إلى وجود قناة مائية رئيسة بطول 26.5 كم، تمتد من ثلاثة ينابيع طبيعية في رأس النقب إلى بركة عند الحافة الشمالية للحميمة. وقد ظلّ هذا النظام المائي يخدم التجمع السكاني منذ ما قبل العصر الأدومي، مرورًا بالعصور الأدومية والنبطية والبيزنطية. وفي عهد الملك النبطي الحارث الثالث (78–52 ق.م)، شهدت الحميمة توسعةً عمرانيةً وتنشيطًا لدورها التجاري والروحي والاجتماعي، مستفيدةً من وقوعها على الطريق الممتد من البتراء إلى أيلة/العقبة، وعلى طريق الملوك الذي عُرف لاحقًا بطريق تراجان، رابطًا بلاد الشام بالأردن ومصر.
وفي هذا الفضاء المركّب، أسّس العباسيون تنظيمهم السرّي، واستغلّوا التجارة أداةً لنقل المعلومات والأخبار. وكان من أبرز التجار الوافدين إلى الحميمة فضالة بن معاذ بن عبد الله، العريف في ديوان بني هاشم، الذي كان ينزل دمشق.
وإمعانًا في السرية، انزوى محمد بن علي عن الحميمة إلى موضع يُعرف بـ«كداد»، على بعد ميلين منها، وهو اسم مأخوذ من نبات القتاد المنتشر في حوض الحميمة، المعروف بشوكه القاسي وثمره الشبيه بالفوانيس، والمستخدم في الطب الشعبي.
وعلى الرغم من محاولات الدولة الأموية الحثيثة، لم تفلح أجهزتها في كشف الحركة العباسية المتنامية، التي كان التخطيط لها يتم في الحميمة، بينما يُنجز تنفيذها في الكوفة وخراسان. وقد تُوّج هذا المسار بانتصار العباسيين سنة 132هـ/750م، وإقامة دولتهم على أنقاض الدولة الأموية، في وقتٍ كان فيه معظم أهل البلقاء على ولائهم للأمويين، بينما لم يُبدِ جند الأردن مقاومة تُذكر لجيش العباسيين. وبعد استلامهم الخلافة، تعرّضت المناطق الأردنية التي قاومتهم لسياسات قاسية من التدمير والتنكيل، في إطار تثبيت السلطة الجديدة.
ونظرًا للأهمية الاستراتيجية للبلقاء والأردن وبلاد الشام، شدّد العباسيون قبضتهم الإدارية عليها، فجعلوا معظم ولاة هذه الأقاليم من بني العباس. ففي عهد السفاح قُسّمت بلاد الشام إلى ولايتين كبيرتين بدل الأجناد الخمسة؛ فجمعت ولاية واحدة أجناد الأردن وحمص وقنسرين ودمشق تحت حكم عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس، 
بينما ضُمّت البلقاء وجند فلسطين في ولاية واحدة أُسندت إلى صالح بن علي، الذي عيّن بدوره علي بن صفوان بن سلمة الأراشي واليًا على البلقاء، وهو سيد قضاعة الشام ومتولي الصائفة. وبهذا التنظيم الإداري، وضع العباسيون حدًا لنفوذ القبائل القيسية التي ناهضتهم في البلقاء.
وفي سياق الاكتشافات الأثرية الحديثة، كشفت حفريات عام 1991 في الحميمة عن قطعة شطرنج فريدة، عثر عليها عالم الآثار الكندي جون أوليسون من جامعة فيكتوريا. وقد نُقلت القطعة إلى كندا لأغراض البحث، ثم أُعلن لاحقًا عن الموافقة على إعادتها، مع احتمالية إعادة قطعتين أخريين عُثر عليهما في حسبان ووادي فينان، تعودان إلى القرن الثالث عشر الميلادي.
وتُعد قطعة الحميمة المصنوعة من الحجر الرملي أقدم قطعة شطرنج موثقة أثريًا في العالم، وفق نتائج الحفريات، وهي من تصميم إسلامي مبكر، ومؤرخة بين 680–749م، أي في الفترة التي كانت فيها الأسرة العباسية تقيم في الحميمة. وقد أشار عالم الآثار إلى أن لعبة الشطرنج لا تزال تحظى بأهمية ثقافية لدى الأردنيين، وأن تاريخها في البلاد يمتد لأكثر من 1300 عام.
أما عن كيفية خروج هذه القطعة من الأردن، فيُذكر أن دائرة الآثار العامة كانت تعتمد – قبل عام 2000 – نظامًا يُعرف بـ«نظام القسمة»، يُجيز للبعثات الأجنبية المنقّبة إخراج نصف المكتشفات الأثرية لإجراء الدراسات عليها في الجامعات العالمية، على أن يعود النصف الآخر ملكًا للدولة الأردنية. وهو نظام يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حماية الإرث الحضاري وضرورة إعادة النظر في آليات التعامل مع الآثار بوصفها جزءًا من السيادة الثقافية الوطنية.
بهذا تكتمل صورة الحميمة لا كموقعٍ مهملٍ فحسب، بل كذاكرةٍ أردنيةٍ عميقة، تختزن السياسة والدين والعلم والعمران، وتستحق إعادة إدراجها في صلب السردية الوطنية، لا على هامشها.
انتهت (ح302) وتليها ( ح303) بعون الله وهي عن بلدانية وادي رم وحسمى

عدد المشاهدات : ( 1217 )
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الرأي نيوز' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .